حين ننظر إلى الأشجار، نراها كائنات صامتة لا تتحرك ولا تتكلم. جذوع ثابتة وأغصان تمتد نحو السماء. لكن ما لا نراه هو العالم الخفي الذي يجري تحت التربة وبين الأوراق.
خلال العقود الأخيرة، بدأت الأبحاث تكشف حقيقة مدهشة: الأشجار تتواصل بالفعل، تنذر، تساعد، تتعاون، وأحيانًا تعاقب.
قد لا تمتلك الأشجار عقولًا، لكنها تمتلك نظامًا معقدًا يشبه الشبكات الحيوية، يعتمد على الإشارات الكيميائية، والروائح، والجذور، وحتى الفطريات.
ماذا يعني أن تتواصل الأشجار؟
التواصل ليس حكرًا على الكائنات المتحركة. في علم الأحياء، يُعرَّف التواصل بأنه أي إشارة يرسلها كائن حي وتتسبب في تغيير سلوك كائن آخر.
وبهذا التعريف، تدخل الأشجار بوضوح في عالم التواصل. فهي تبعث رسائل تحذر بها جيرانها، وتحرك مواد معينة في جذورها حين تشعر بالخطر، بل وتستقبل معلومات عن البيئة قبل وصول التهديد إليها.
لغة الروائح: رسائل عبر الهواء
من أول الاكتشافات التي غيرت نظرة العلماء للنباتات أن الأشجار تطلق مواد كيميائية طيّارة عندما تتعرض للهجوم.
إذا بدأ حيوان أو حشرة بقضم أوراق شجرة، تطلق الشجرة مواد دفاعية ذات رائحة مميزة.
الغريب أن الأشجار المجاورة تلتقط هذه الرائحة وتبدأ بإنتاج نفس المواد الدفاعية قبل أن تصلها الحشرة.
هذا يعني أن الرسالة وصلت، وأن الأشجار “فهمت” التحذير.
أشجار الأكاسيا في إفريقيا مثلًا، عندما تتعرض للأكل من قِبل الزرافات، تنتج مركبًا مرًا في أوراقها.
وفي الوقت نفسه، تُرسل إشارات في الهواء تجعل الأشجار المجاورة تفعل الشيء نفسه قبل وصول الخطر.
شبكة الجذور تحت الأرض
ما يحدث فوق الأرض لا يقل غرابة عما يحدث تحتها. الأشجار لا تعيش منفردة، بل ترتبط ببعضها عبر الجذور في شبكة ضخمة تشبه “المدينة تحت السطح”.
الجذور تتلامس وتتشارك الماء والمعادن والمواد الكيميائية.
هناك أشجار قديمة في الغابة تعمل كـ “محطات مركزية”، ترسل الغذاء للأشجار الصغيرة أو المنهكة، خصوصًا في فترات الجفاف.
الفطريات: الإنترنت الخفي للغابات
أحد أهم الاكتشافات في علم النبات هو ما يسمى بـ الشبكة الفطرية الميكوريزية.
هذه الفطريات تعيش ملتصقة بجذور الأشجار، وتعمل كوسيط ينقل الإشارات والمواد بين الأشجار.
العلماء يسمونها “Wood Wide Web” أي “شبكة الويب الخشبية”.
هذه الشبكة تجعل الشجرة المصابة تنقل إشعارًا سريعًا عبر الفطريات إلى الشجرة المجاورة، التي بدورها ترفع دفاعاتها.
كما تساعد الفطريات في توزيع الغذاء بشكل عادل، حيث ترسل الشجرة الكبيرة جزءًا من السكر والمعادن إلى الشتلات الصغيرة التي لا يصلها الضوء الكافي.
اقرأ ايضا: النباتات الطبية.. ما الذي يمكن أن تعالجه فعلاً؟
التعاون… لا المنافسة
في الغابات الطبيعية، الأشجار لا تتنافس كما كنا نعتقد. بل تتشارك الضوء، والمساحة، والماء، وتدعم بعضها.
أشجار الزان مثلًا، تبقي جزءًا من غذائها في الجذور “للاستخدام المشترك”، ولا تمتص كل ماء التربة كي لا تموت الأشجار الأصغر.
من وجهة نظر بيولوجية، هذا التعاون يضمن بقاء الغابة ككل، وليس شجرة واحدة فقط.
هل يمكن للأشجار أن “تربي” بعضها؟
تشير الدراسات إلى أن الأشجار الكبيرة تتحكم في نمو الأشجار الأصغر عبر كمية الضوء التي تسمح لها بالوصول تحت ظلها.
إذا نمت شجرة صغيرة بسرعة غير مناسبة، تقلل شجرة الأم من الضوء المتسرب إليها، مما يجعلها تبطئ نموها كي تبقى جذورها قوية.
هذه الظاهرة جعلت بعض الباحثين يستخدمون مصطلح “التربية النباتية”، رغم أنه مصطلح مجازي وليس علميًا بالمعنى التقليدي.
الأشجار تتذكر الصدمات
عندما تتعرض الأشجار لموجة جفاف شديدة أو هجوم حشري قوي، فإنها “تتذكر” الحدث.
في الدراسات الحديثة، وجد الباحثون أن بعض الأشجار تُظهر رد فعل أسرع وأكثر دقة في المرة التالية التي يحدث فيها نفس التهديد.
هذه الذاكرة لا تشبه الذاكرة العصبية عند الحيوانات، لكنها نوع من التعديل الجيني المؤقت داخل الخلايا يساعد الشجرة على تحسين ردود أفعالها.
هل تشعر الأشجار بالألم؟
السؤال شائع، والجواب معقد. الأشجار لا تملك أعصابًا، ولا دماغًا، ولا جهازًا يشعر بالألم كما نفهمه نحن. لكن لديها إشارات كهربائية تنتشر داخلها عند تعرضها للضرر، تشبه إلى حد ما الاستجابة العصبية البسيطة.
هذا يجعل البعض يعتقد أنها تملك “إحساسًا بدائيًا بالخطر”، بينما يرى العلماء أن هذا مجرد رد فعل كيميائي، وليس ألمًا حقيقيًا.

الأشجار تتواصل عبر الضوء
حتى الضوء يمكن أن يكون وسيلة تواصل. الأشجار تستطيع تغيير مستوى لمعان أوراقها اعتمادًا على الوقت والظل، مما يساعد الأشجار المحيطة في ضبط عملية البناء الضوئي.
هذا النوع من “التنسيق الضوئي” يجعل الغابة نظامًا متوازنًا لا يطغى فيه شجرة على أخرى.
الأشجار والطقس.. هل تتنبأ بالغد؟
في بعض الدراسات، لاحظ العلماء أن الأشجار تفتح مسام أوراقها أو تغلقها قبل حدوث عاصفة أو تغيّر مفاجئ في الرطوبة.
يبدو أنها تلتقط تغيرات طفيفة في الضغط الجوي، وتشارك هذه الإشارة مع الأشجار الأخرى عبر الرطوبة والغازات.
هي لا تتنبأ فعليًا، لكنها حساسة لدرجة تجعل استجابتها تبدو وكأنها توقّع لما سيحدث.
ماذا يعني هذا كله؟
ما كشفه العلم حتى الآن يغير الصورة الكلاسيكية عن الأشجار.
لم تعد مجرد كائنات ساكنة، بل أعضاء في مجتمع متكامل، يتعاون ويتعلم ويتشارك الموارد.
هذا يفتح بابًا جديدًا لفهم الطبيعة: الغابة ليست مجموعة أشجار عشوائية، بل كيان حي يتفاعل ككل.
أهمية هذا الاكتشاف في حياتنا
فهم تواصل الأشجار يساعد في:
- بناء غابات صحية
- حفظ الأنواع المهددة
- إعادة تأهيل الغابات المتضررة
- تطوير زراعة تعتمد على “التواصل الجذري” بين النباتات
كما يلهم الإنسان في إعادة التفكير بطرق تعامله مع البيئة، لأن الأشجار تعمل بمنطق المشاركة لا المنافسة.
الخلاصة
تتواصل الأشجار تتواصل فعلًا، لكن بطريقتها الخاصة. ليس كلامًا ولا أصواتًا، بل شبكة من الروائح، والجذور، والإشارات، والفطريات، التي تجعل الغابة نظامًا اجتماعيًا معقدًا.
هذه الاكتشافات تُظهر أن الطبيعة ليست صامتة كما نظن، بل مليئة بالحوارات الخفية التي تحدث تحت أقدامنا وفوق رؤوسنا.
هل كان المقال مفيدًا؟
رائع!
هل لديك مقترحات لتحسين تجربتك أكثر؟
آسفين لذلك!
لماذا كان المقال غير مفيد؟ *



